العلامة المجلسي
231
بحار الأنوار
هذا الامر : فمن الناس من يقول : لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول وأن يتوجه عليها من الله أمر ونهي ، وقال آخرون : ليس الامر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبايع توجب هذه الأحوال " ثم كلي من كل الثمرات " من للتبعيض أو لابتداء الغاية ، رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ، ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار ، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة الصور متفرقة على الأوراق والأزهار ، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة ، أما القسم الثاني فإنه مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان ، وذلك محسوس ، وأما القسم الأول فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل تلتقط تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها ، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء ثم تذهب بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها ، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شئ كثير فذاك هو العسل . ومن الناس من يقول : إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة أشياء ، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بطنه عسلا ، ثم إنها تقئ مرة أخرى فذاك هو العسل ، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة للاستقراء فان طبيعة الترنجبين قريبة إلى العسل في الطعم والشكل ، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار ، فكذا هاهنا ، وأيضا فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما تغتذي بالعسل ، ولذلك فانا إذا أخرجنا العسل من بيوت النحل تركنا لها بقية من ذلك العسل لأجل أن تغتذي بها ، فعلمنا أنها تغتذي بالعسل ، وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الاجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : " كلى من كل الثمرات " كلمة " من " ها هنا تكون لابتداء الغاية ولا تكون للتبعيض على هذا القول " فاسلكي